RSS

Category Archives: تراجم علماء الجزائر

الأمير عبد القادر الجزائري

عبد القادر ابن محي الدين المعروف بالأمير عبد القادر أو عبد القادرالجزائري المولود  في مدينة معسكر بتاريخ 1122هـ الموافق  6 سبتمبر 1807  والمتوفى بدمشق في 26 ماي 1883

الامير عبد القادر بن محي الدين مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.خاض معارك ضد الحتلال الفرنسي للدفاع عن الوطن وبعدها نفي إلى دمشق وتفي فيها عبد القادر عالم دين، الشاعر، الفيلسوف، السياسي والمحارب في آن واحد. اشتهر بمناهضته للاحتلال الفرنسي للجزائر

ولد الامير عبد القادر بن الأمير محيي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار بن عبد القادر بن أحمد بن محمد بن عبد القوي بن يوسف بن أحمد بن شعبان بن محمد بن أدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله (الكامل) بن الحسن المثنى  ابن الحسن السبط بن فاطمة الزهراء بنت محمد رسول الله وزوجة علي ابن أبي طالب

وقد تم تحقيق النسب الشريف الصحيح للأمير عبد القادر في كتاب (الإحياء بعد الإنساء) يصدر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2011 م للمحقق الشريف عبد الفتاح فتحي أبو حسن شكر (الحدين ــ كوم حماده ــ بحيرة ــ مصر(

ولد بقرية “القيطنة” بوادي الحمام من منطقة معسكر  بالجزائر، ثم انتقل والده إلى مدينة وهران .

لم يكن محي الدين والد الأمير عبد القادر هملاً بين الناس، بل كان ممن لا يسكتون على الظلم، فكان من الطبيعي أن يصطدم مع الحاكم العثماني لمدينة “وهران”، وأدى هذا إلى تحديد إقامة الوالد في بيته، فاختار أن يخرج من الجزائر كلها في رحلة طويلة، وكان الإذن له بالخروج لفريضة الحج عام1241هـ 1825م  فخرج الوالد واصطحب ابنه عبد القادر معه، فكانت رحلة عبد القادر إلى تونس  ثم  مصر ثم الحجاز  ثم البلاد الشامية  ثم بغداد ، ثم العودة إلى الحجاز، ثم العودة إلى الجزائر مارًا  بمصر وبرقة وطرابلس ثم تونس ، وأخيرًا إلى الجزائر من جديد عام 1828 م، فكانت رحلة تعلم ومشاهدة ومعايشة للوطن العربي في هذه الفترة من تاريخه، وما لبث الوالد وابنه أن استقرا في قريتهم “قيطنة”، ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت الجزائر لحملة عسكرية فرنسية شرسة، وتمكنت فرنسا من احتلال العاصمة فعلاً في 5 جويلية 1830م، واستسلم الحاكم العثماني سريعًا، ولكن الشعب الجزائري كان له رأي آخر.

المبايعة:

فرّق الشقاق بين الزعماء كلمة الشعب، وبحث أهالي وعلماء )غريس(  عن زعيم يأخذ اللواء ويبايعون على الجهاد تحت قيادته، واستقر الرأي على “محيي الدين الحسني” وعرضوا عليه الأمر، ولكن الرجل اعتذر عن الإمارة وقبل قيادة الجهاد، فأرسلوا إلى صاحب المغرب الأقصى ليكونوا تحت إمارته، فقبل السلطان “عبد الرحمن بن هشام” سلطان المغرب  ، وأرسل ابن عمه “علي بن سليمان” ليكون أميرًا على وهران، وقبل أن تستقر الأمور تدخلت فرنسا مهددة السلطان بالحرب، فانسحب السلطان واستدعى ابن عمه ليعود الوضع إلى نقطة الصفر من جديد، ولما كان محيي الدين قد رضي بمسئولية القيادة العسكرية، فقد التفت حوله الجموع من جديد، وخاصة أنه حقق عدة انتصارات على العدو، وقد كان عبد القادر على رأس الجيش في كثير من هذه الانتصارات، فاقترح الوالد أن يتقدم “عبد القادر” لهذا المنصب، فقبل الحاضرون، وقبل الشاب تحمل هذه المسؤولية، وتمت البيعة، ولقبه والده بـ “ناصر الدين” واقترحوا عليه أن يكون  سلطانا ولكنه اختار لقب “الأمير”، وبذلك خرج إلى الوجود “الأمير عبد القادر ناصر الدين بن محيي الدين الحسني”، وكان ذلك في 13 رجب 1248 هـ الموافق  27 نوفمبر 1832م .

وحتى تكتمل صورة الأمير عبد القادر، فقد تلقى الشاب مجموعة من العلوم فقد درس الفلسفة ودرس الفقه والحديث   فدرس صحيحي البخاري  ومسلم، وقام بتدريسهما، كما تلقى الألفية في النحو، و السنوسية ، والعقائد النسفية في التوحيد  ، وايساغوجي في المنطق، والإتقان في علوم القرآن، وبهذا اكتمل للأمير العلم الشرعي، والعلم العقلي، والرحلة والمشاهدة، والخبرة العسكرية في ميدان القتال، وعلى ذلك فإن الأمير الشاب تكاملت لديه مؤهلات تجعله كفؤًا لهذه المكانة، وقد وجه خطابه الأول إلى كافة العروش قائلاً: “… وقد قبلت بيعتهم (أي أهالي وهران  وما حولها) وطاعتهم، كما أني قبلت هذا المنصب مع عدم ميلي إليه، مؤملاً أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين، ورفع النزاع والخصام بينهم، وتأمين السبل، ومنع الأعمال المنافية للشريعة المطهرة، وحماية البلاد من العدو، وإجراء الحق والعدل نحو القوى والضعيف، واعلموا أن غايتي القصوى اتحاد الملة المحمدية، والقيام بالشعائر الأحمدية، وعلى الله الاتكال في ذلك كله.

دولة الأمير عبد القادر وعاصمته المتنقلة:

ولبطولة الاميراضطرت فرنسا إلى عقد اتفاقية هدنة معه وهي اتفاقية “دي ميشيل” في  عام 1834، وبهذه الاتفاقية اعترفت فرنسا بدولة الأمير عبد القادر، وبذلك بدأ الأمير يتجه إلى أحوال البلاد ينظم شؤونها ويعمرها ويطورها، وقد نجح الأمير في تأمين بلاده إلى الدرجة التي عبر عنها مؤرخ فرنسي بقوله: «يستطيع الطفل أن يطوف ملكه منفردًا، على رأسه تاج من ذهب، دون أن يصيبه أذى!!». وكان الأمير قد انشا عاصمة متنقلة كاي عاصمة اوربية متطورة انداك سميت الزمالة، كان قد أسّس قبلها عاصمة وذلك بعد غزو الجيش الفرنسي لمدينة معسكر في الحملة التي قادها ‘كلوزيل’، وضع الأمير خطة تقضي بالانسحاب إلى أطراف الصحراء لإقامة آخر خطوطه الدفاعية وهناك شيد العاصمة الصحراوية ، تكدمت،  وقد بدأ العمل فيها بإقامة ثلاث حصون عسكرية، ثم أعقبها بالمباني والمرافق المدنية والمساجد الخ، وهناك وضع أموال الدولة التي أصبحت الآن في مأمن من غوائل الغزاة ومفاجئاتهم. وقد جلب إليها الأمير سكانا من مختلف المناطق من الكلغوليين وسكان آرزيو ومستغانم ومسرغين والمدية.

وقبل أن يمر عام على الاتفاقية نقض القائد الفرنسي الهدنة، وناصره في هذه المرة بعض القبائل في مواجهة الأمير عبد القادر، ونادى الأمير في قومه بالجهاد ونظم الجميع صفوف القتال، وكانت المعارك الأولى رسالة قوية لفرنسا وخاصة موقعة “المقطع” حيث نزلت بالقوات الفرنسية هزائم قضت على قوتها الضاربة تحت قيادة تريزيل  الحاكم الفرنسي. ولكن فرنسا أرادت الانتقام فأرسلت قوات جديدة وقيادة جديدة، واستطاعت القوات الفرنسية دخول عاصمة الأمير وهي مدينة معسكر وأحرقتها، ولولا مطر غزير أرسله الله في هذا اليوم ما بقى فيها حجر على حجر، ولكن الأمير استطاع تحقيق مجموعة من الانتصارات دفعت فرنسا   لتغيير القيادة من جديد ليأتي القائد الفرنسي الماكر الجنرال بيجو ولكن الأمير نجح في إحراز نصر على القائد الجديد في منطقة “وادي تافنة” أجبرت القائد الفرنسي على عقد معاهدة هدنة جديدة عُرفت باسم “معاهد تافنة” في عام 1837م. وعاد الأمير لإصلاح حال بلاده وترميم ما أحدثته المعارك بالحصون والقلاع وتنظيم شؤون البلاد، وفي نفس الوقت كان القائد الفرنسي بيجو يستعد بجيوش جديدة، ويكرر الفرنسيون نقض المعاهدة في عام 1839م، وبدأ القائد الفرنسي يلجأ إلى الوحشية في هجومه على المدنيين العزل فقتل النساء والأطفال والشيوخ، وحرق القرى والمدن التي تساند الأمير، واستطاع القائد الفرنسي أن يحقق عدة انتصارات على الأمير عبد القادر، ويضطر الأمير إلى اللجوء إلى بلاد المغرب الأقصى ، ويهدد الفرنسيون السلطان المغربي، ولم يستجب السلطان لتهديدهم في أول الأمر، وساند الأمير في حركته من أجل استرداد وطنه، ولكن الفرنسيين يضربون طنجة وبوغادور  بالقنابل من البحر، وتحت وطأة الهجوم الفرنسي يضطر السلطان إلى توقيع معاهدة لالة مغنية وطرد الأمير من المغرب الأقصى.

قاد عبد القادر ووالده حملة مقاومة عنيفة ضدها، فبايعه الأهالي بالإمارة عام 1832م، عمل عبد القادر على تنظيم المُجاهدين، وإعداد الأهالي وتحفيزهم لمقاومة الاستعمار، حتى استقر له الأمر وقويت شوكته فألحق بالفرنسيين الهزيمة تلو الأخرى، مما اضطر فرنسا إلى أن توقع معه معاهدة (دي ميشيل) في فبراير 1834م، معترفة بسلطته غرب الجزائر، لكن السلطات الفرنسية لم تلتزم بتلك المعاهدة، الأمر الذي اضطره إلى الاصطدام بهم مرة أخرى، فعادت فرنسا إلى المفاوضات، وعقدت معه معاهدة (تافنة) في مايو 1837م، مما أتاح لعبد القادر الفرصة لتقوية منطقة نفوذه، وتحصين المدن وتنظيم القوات، وبث الروح الوطنية في الأهالي، والقضاء على الخونة والمتعاونين مع الاستعمار. لكن سرعان ما خرق الفرنسيين المعاهدة من جديد، فاشتبك معهم عبد القادر ورجاله أواخر عام 1839م، فدفعت فرنسا بالقائد الفرنسي (بيجو) لتولي الأمور في الجزائر، فعمل على السيطرة على الوضع بإتباع سياسة الأرض المحروقة، فدمر المدن وأحرق المحاصيل وأهلك الدواب، إلا أن الأمير ورفاقه استطاعوا الصمود أمام تلك الحملة الشعواء، مُحققين عدة انتصارات، مستعينين في ذلك بالمساعدات والإمدادات المغربية لهم، لذا عملت فرنسا على تحييد المغرب وإخراجه من حلبة الصراع، فأجبرت المولى عبد الرحمن سلطان المغرب، على توقيع اتفاقية تعهد فيها بعدم مساعدة الجزائريين، والقبض على الأمير عبد القادر وتسليمه للسلطات الفرنسية، حال التجائه للأراضي المغربية. كان لتحييد المغرب ووقف مساعداته للمجاهدين الجزائريين دور كبير في إضعاف قوات الأمير عبد القادر، الأمر الذي حد من حركة قواته، ورجح كفة القوات الفرنسية، فلما نفد ما لدى الأمير من إمكانيات لم يبقى أمامه سوى الاستسلام حقناً لدماء من تبقى من المجاهدين والأهالي، وتجنيباً لهم من بطش الفرنسيين، وفي ديسمبر 1847م اقتيد عبد القادر إلى أحد السجون بفرنسا، وفي بداية الخمسينات أفرج عنه شريطة ألا يعود إلى الجزائر، فسافر إلى تركيا ومنها إلى دمشق عام 1955م، عندما وصل الأمير وعائلته وأعوانه إلي دمشق، أسس ما عرف برباط المغاربة في حي السويقة، وهو حي ما زال موجوداً إلي اليوم، وسرعان ما أصبح ذا مكانة بين علماء ووجهاء الشام، وقام بالتدريس في المدرسة الأشرفية، ثم الجامع الأموي، الذي كان أكبر مدرسة دينية في دمشق آنذاك، سافر الأمير للحج ثم عاد ليتفرغ للعبادة والعلم والأعمال الخيرية، وفي مايو 1883م توفي الأمير عبد القادر الجزائري ودفن في سوريا. لم يكن جهاد الأمير عبد القادر ضد قوى الاستعمار بالجزائر، هو كل رصيده الإنساني، فقد ترك العديد من المؤلفات القيمة ترجمت إلى عدة لغات، وعقب حصول الجزائر على الاستقلال تم نقل رفاته إلى الجزائر بعد حوالي قرن قضاه خارج بلاده، وفي 3 إبريل 2006م افتتحت المفوضة السامية لحقوق الإنسان بجنيف معرضاً خاصاً للأمير في جنيف إحياءً لذكراه، كما شرعت سورية في ترميم وإعداد منزله في دمشق ليكون متحفاً يُجسد تجربته الجهادية من أجل استقلال بلاده.

الأمير الأسير:

ظل الأمير عبد القادر في سجون فرنسا  يعاني من الإهانة والتضييق حتى عام 1852م ثم استدعاه نابليون الثالث بعد توليه الحكم، وأكرم نزله، وأقام له المآدب الفاخرة ليقابل وزراء ووجهاء فرنسا، ويتناول الأمير كافة الشؤون السياسية والعسكرية والعلمية، مما أثار إعجاب الجميع بذكائه وخبرته، ودُعي الأمير لكي يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا له، ولكنه رفض، ورحل إلى الشرق براتب من الحكومة الفرنسية. توقف في إستنبول حيث السلطان عبد المجيد ، والتقى فيها بسفراء الدول الأجنبية، ثم استقر به المقام في دمشق  منذ عام 1856 م وفيها أخذ مكانة بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية، وفي المدرسة الحقيقية.

وفي عام 1276هـ 1860م تتحرك شرارة الفتنة بين المسلمين و المسيحيين في منطقة الشام، ويكون للأمير دور فعال في حماية أكثر من 15 ألف من المسيحيين، إذ استضافهم في منازله.

نهاية المطاف

وافاه الأجل بدمشق في منتصف ليلة 19 رجب 1300هـ الموافق 23 ماي 1883م  عن عمر يناهز 76 عاما، وقد دفن بجوار ضريح الشيخ محي الدين ابن عربي بدمشق  لوصية تركها. وبعد استقلال الجزائر نقل جثمانه إلى الجزائر عام 1965 ودفن في المقبرة العليا وهي المقبرة التي لا يدفن فيها الا رؤساء البلاد.

مؤلفاته:

لم يكن الأمير عبد القادر قائدا عسكريا وحسب، ولكن له مؤلفات وأقوال كبيرة في الشعر تبرز إبداعه ورقة إحساسه مع زوجه في دمشق ومكانته الأدبية والروحية. وله أيضا كتاب “المواقف” وغيره. وقد ألف في بروسة (تركيا) أثناء إقامته بها) رسالة “ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” عبارة (رسالة إلى الفرنسيين)، وهو كتاب موجه لأعضاء المجمع الآسيوي بطلب من الجمعية، وذلك بعد أن منحه هذا المجمع العلمي الفرنسي قبل ذلك بقليل العضوية فيه. وكان تاريخ تأليف الرسالة في 14 رمضان 1271 / 1855م، ثم ترجمها الفرنسي “غوستاف ديغا” إلى لغته في عام 1858م وهو القنصل الفرنسي بدمشق آنذاك.

يحتوي الكتاب على ثلاثة أبواب (في فضل العلم والعلماء) وبه تعريف العقل وتكملة وتنبيه وخاتمة، و(في إثبات العلم الشرعي) يتحدث فيه عن إثبات النبوة واحتياج كافة العقلاء إلى علوم الأنبياء.. وفصل ثالث في فضل الكتابة.

Advertisements
 

أبويعلى الزواوي

أبو يعلى الزواوي

أبو يعلى الزواويهوالسعيد بن محمد الشريف بن العربي ولد حوالي عام 1279 الموافق لـ 1862م في (إغيل نزكري) من ناحية عزازقة ، وهذه القرية غير قريته الأصلية، وإنما انتقل إليها أبوه بعد أن عين إماما لمسجدها، وبها تزوٌج، فوالدته منهم وكانوا من الشرفاء ومن أهل الخير والكرم. وأمٌا قرية أبيه وجدٌه فتسمى ( تفريت ناث الحاج) وتقع على سفج جبل (تامقوت) الشامخ في دائرة (عزازقة)  بتزيوزو، ومعناها بالعربية كما شرحها هو في كتابه جماعة المسلمين (ص 34) : (عرين ذوي الحاج) والعرين في  اللغة العربية  مأوى الأسد. وقبيلة أبو يعلي الزواوي هي آيت سيدي محمد الحاج.

طلبه للعلم

درس أولا في قريته فحفظ القرآن الكريم  وأتقنه رسما وتجويدا وهو ابن اثنتي عشرة سنة، والتحق بزاوية الأيلولي ومنها تخرج، وأبرز شيوخه الذين استفاد منهم والده محمد الشريف والحاج أحمد أجذيذ والشيخ محمد السعيد بن زكري –مفتي الجزائر – والشيخ محمد بن بلقاسم البوجليلي. قد أكثر الشيخ من التنقل والترحال قبل أن يستقر في الجزائر العاصمة سنة 1920، وقد أومأ في بعض المواضع إلى أن دافع ذلك الفرار بالدين والعرض ولم يحدد الأسباب المفصلة لذلك، وهذا تلخيص لهذه التنقلات. يقول أبو يعلى  :« أول خروجي من الزواوة كان في شرخ الشباب، وتوظفت في بعض المحاكم الشرعية». ولعل ذلك في بلدة “صدراته” فإنه ذكر في مقال له أن أهل هذه البلدة يعرفونه. ثم ارتحل إلى تونس وقد كان بها سنة 1893م، وكانت له رحلات إلى مصر والشام وفرنسا وذلك قبل سنة (1901). وفي سنة (1912م) كان في دمشق يعمل في القنصلية الفرنسية، وقد عمل بها إلى غاية سنة 1915م، وفي مدة إقامته هناك نَمَّى معارفه بالأخذ عن علماء الشام وبالعلاقات التي أقام مع الكتاب والأدباء وعلى رأسهم أمير البيان شكيب أرسلان. ومع بداية الحرب العالمية الأولى اضطُر للخروج من دمشق لاجئا إلى مصر، لأنه كان معروفا بمعاداته للحكومة التركية، ومناصرته لأصحاب القضية العربية كما سميت في ذلك العصر، وفي مصر استزاد من العلم بلقاء أهل العلم وأعلام النهضة فيها، وممن جالس وصحب هناك محمد الخضر حسين الجزائري والطاهر الجزائري ومحمد رشيد رضا. ورجع إلى الجزائر سنة (1920م) بعد انتهاء الحرب، فقضي مدة في زواوة، ثم سكن الجزائر العاصمة وتولى إمامة جامع سيدي رمضان بالقصبة بصفة رسمية، ومع كونه من الأئمة الذين رضوا بالوظيفة عند الإدارة الفرنسية فقد تبنى الفكر السلفي الإصلاحي بقوة وحماس كبيرين، وعاش محاربا لمظاهر الشرك والبدع والخرافات وغيرها من أنواع المنكرات. وكانت له بعد ذلك تنقلات في طلب العلم والدعوة إلى الله منها ما كان إلى بجاية أو البليدة.

شيوخه:

ذكر معظمهم هو بنفسه في مؤلٌفاته المطبوعة، ونذكر منهم جملة على سبيل المثال خاصٌة الذين تأثٌر بهم:

  1. والده الشيخ محمد الشريف الذي كان إماما ومؤذٌنا وموثٌقا وصاحب زاوية.
  2. الشيخ محمد بن سعيد بن زكري خطيب مسجد (سيدي رمضان) بالجزائر العاصمة سنة 1896 ومفتي جامع الأعظم، ويعدٌ من أبرز مدرٌسي العاصمة، وكان من الفقهاء المتمكنين من علمهم، وقد تأثٌر به أبويعلى أيٌما تأثٌر وكان متبعا لسيرته في العلم.
  3. الشيخ محمد بن بلقاسم البوجليلي المولود سنة 1836 ببجاية، وقد نوٌه به وبعلمه الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي، ووصفه ابن زكري شيخ أبي يعلى وصديقه: (أنٌه كان من المصلحين ودعاة القضاء على البدع التي كانت تساعد على نشر الشعوذة والخرافة)، وقال عنه تلميذه أبو يعلى: (أنٌ الشيخ ابن زكري كشيخه البوجليلي ذكاء وشهرة).
  4. العلاٌمة المحدٌث الشيخ طاهر الجزائري الٌذي وجٌه الشيخ الزواوي للكتابة في موضوع لغة البربر والتعريف بقواعدها باعتبار كونهما من منطقة واحدة وهي بلاد الزواوة وقد مكث معه خمس سنوات كاملة في أرض مصر.
  5. العلاٌمة الشيخ رشيد رضا وكان الزواوي يلقٌبه بالصديق وحجة الإسلام كما في كتبه جماعة المسلمين.
  6. الشيخ محمد الخضر وقد لقٌبه أبو يعلى ب(صديقنا العلاٌمة الكاتب).
  7. محمد أفندي كرد علي صاحب مجلٌة المقتبس ووزير المعارف في الشام، قال عنه: (صاحبنا).
  8. الشيخ مبارك الميلي لقبٌه أبو يعلى ب (الأستاذ الإصلاحي الجسور).
  9. الشيخ الطيٌب العقبي وكانت بينهما علاقة طيٌبة ويشتركان في شدٌة مواقفهما ضدٌ مشايخ الطرق، قال عنه أبو يعلى لمٌا وجٌه له استفتاء لينشره في جريدة (الإصلاح) التي يديرها الشيخ العقبي: (صديقنا الأستاذ الخطيب الكاتب الناثر الشاعر المسامر والمحاضر بنادي الترقٌي بمدينة الجزائر(

أعماله ونشاطاته العلمية والدعوية

تقلٌد أبو يعلى الزواوي مناصب مختلفة في حياته بحكم ثقافته المزدوجة إن صحٌ التعبير، فقد عيٌن كاتبا في القنصلية الفرنسية بدمشق وعمل بها إلى حوالي 1915م، أرسلته فرنسا إلى سورية طمعا منها في أن يقوم بإقناع الجزائريين المقيمين هناك بالتجنٌس بالجنسية السورية لتفادي رجوعهم إلى أرض الوطن من حمل الأفكار التحررية التي كانت قد ظهرت بالشام، ومقابل ذلك وعدته فرنسا بمنصب الإفتاء إذا رجع إلى الجزائر.

  • النشاط الصحفي: من خلال إقامته بسوريا اتٌصل بالعديد من الشخصيات والكتٌاب والأدباء والسياسيين والصحفيين وأقام علاقات معهم، وساهم بمقالاته في بعض الصحف والمجلاٌت فكتب في جريدة المقتبس التي كانت تصدر بدمشق، وفي جريدة البرهان التي كانت يصدرها الشيخ  عبد القادر المغربي بطرابلس الشام وثمرات العقول البيروتية، وطبع أحد كتبه في مطبعة  محب الدين الخطيب  الذي كانت له علاقات طيٌبة وصلات حميدة بينه وبين إخوانه من الجزائريين كالعقبي  وابن باديس والإبراهيمي. انتقل إلى القاهرة بمصر بسبب وقوع  الحرب العالمية الأولى ، وهناك التقى بالشيخ  طاهر الجزائري ، وكثٌف نشاطه بمصر، والتقى بالعديد من إخوانه الطلبة الجزائريين، وواصل مشاركته في تحرير المقالات معرٌفا بالجزائر وتاريخها ووصف أحوالها المزرية، وكانت له فعلا مساهمات تمثٌلت في نشر مقالات في جريدة المؤيد المصرية وفي المجلة السلفية بمصر أيضا.

وممٌا يلفت الانتباه أنٌ الشيخ أبا يعلى انتقد المشارقة وهوفيهم لقلٌة اهتمامهم بأحوال المغرب العربي. عند عودته إلى الجزائر سنة 1924 بقي بنفس الهمٌة العالية الروح الأبيٌة، يكتب وينتقد، ويكافح بقلمه السيٌال وفكره الجوٌال، فنشر في جريدة النجاح مدة ونشر في جريدة النجاح مدة ثم في مجلة الشهاب لابن باديس وفي جريدة الإصلاح للطيب العقبي التي قلَّما خلا عدد من أعدادها من شيء من كتاباته، وكتب في صحيفة(صدى الصحراء) التي كانت تصدر ببسكرة (جنوب الجزائر) على غرار زملائه كالطيٌب العقبي والشاعر محمد العيد ومحمٌد الأمين العمودي، وقد دامت حوالي سنة ثمٌ تفرٌق شمل أصحابها لأسباب مختلفة رغم أهميتها، كما شارك أبو يعلى في جريدة (الثمرة الأولى) التي يصدرها طلبة الجزائر في تونس. ونشر في كل جرائد الجمعية بعد تأسيسها بل وكتب أول الأمر حتى في جريدة البلاغ الطرقية مما أثار عليه نقمة بعض إخوانه. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع أن المقالات التي أمضاها الفتى الزواوي ليست للشيخ أبي يعلى كما قد يتوهم بعض، وإنما الفتى هو «باعزيز بن عمر» وهو أحد تلاميذ الشيخ ابن باديس، وقد توفي سنة 1977م عن عمر يناهز 71 سنة.

  • نشاطه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: من الأعمال العظيمة والأعمال الشريفة التي لم يفوٌتها أبي يعلى على نفسه رئاسته لجمعية العلماء الجزائريين، حيث عيٌن رئيسا للجمعية العمومية المكلٌفة بوضع القانون الأساسي للجمعية، وقد حضرها اثنان وسبعون من علماء القطر الجزائري وطلبة العلم، اجتمعوا بنادي الترقٌي بعاصمة الجزائر لتعيين الأعضاء الأساسيٌين المكوٌنين لجمعية العلماء الجزائريٌين، وهذه الرئاسة وإن كانت مؤقتة انتهت بانتهاء أشغال التأسيس وانتخاب المجلس الإداري ورئيسه العلامة  ابن باديس إلاٌ أنٌها تعدٌ حدثا له قيمته ووزنه في حياة الشيخ أبي يعلى الزواوي. وبعد مضي مدة عن تأسيس الجمعية ترأس لجنة العمل الدائمة بعد انسحاب رئيسها عمر إسماعيل، وهي لجنة كُوِّنت من الأعضاء المقيمين في العاصمة لإدارة شؤون الجمعية لما كان أغلب أعضاء المجلس الإداري المنتخب مقيمين خارج العاصمة بحكم السكن والنشاط. وترأس أيضا مدة لجنة الفتوى وقد نشرت له في البصائر لسان حال الجمعية عدة فتاوى ومقالات.

إضافة إلى هذه الأعمال كلٌها فإنٌه كان مجيدا للخط العربي وله فيه رسالة، وكان ينسخ المصاحف ويخطٌها، وقد ورث ذلك عن أبيه، وقد جمع بين الروح الجزائرية والتعريقة الشرقية رغم قوله أنٌه تأثٌر بالخطٌ الفاسي الموروث عن الأندلس. ولتفننه وإتقانه للخط أعجب به كثيرون ومدحه بشير الرابحي بقصيدة على خطٌه في المصحف الشريف.

  • التدريس والخطابة: من الوظائف التي أسندت إليه إن كان لها تعيينه إماما بمسجد (سيدي رمضان) بالجزائر العاصمة حيث تولى الخطابة فيه من (سنة 1920 إلى سنة 1952 وهو تاريخ وفاته) وكان يعتبر ذلك من منن الله عليه. أمر طبيعي أن يكون هذا من نشاطه بحكم وظيفته، ولكنه كان حر التفكير والتعبير والتحرير والتحبير، ووقف صامدا أمام العوائق والمغريات يثبت الحق ويبطل الباطل، لم يقيد الوظيف الذي تقلده لسانه ولم يحدد من نشاطه، فكان صريحا في الحق جريئا مقداما، يدافع عن الدين والفضيلة والعقيدة الصحيحة واللغة العربية والوطن، وقد هددته السلطات مرارا بالفصل من إمامة جامع سيدي رمضان، ولكنها لم تجرؤ على ذلك، ولا وجدت سبيلا إلى كم لسانه وتجميد نشاطه وإيقاف زحفه.

ذكر أنه كان يُقطع عنه الراتب كما أنه حُرم مما نسميه ترقية فكان المدرسون والمفتون في زمانه وقبله يتقاضون عشرة أضعاف ما يتقضاه لا لشيء إلا لأنه كان من رجال الإصلاح مؤيدا لجمعية العلماء. وقد كان خطيبا مفوٌها، يرتجل الخطب، ويبلغ بها مقصده من إفهام السامع والأخذ بمجامع القلوب،  قال عنه أحمد توفيق المدني: (وأشهد أنٌه قد كان لتلك الخطب الأثر الفعٌال في النفوس) وقبل ذلك قال عنه: (أخرج الخطب المنبرية من صيغها التقليدية العتيقة إلى صيغة قومية مفيدة، فهو يخطب للعامٌة ارتجالا في مواضيع إسلامية محلية مفيدة، ويعتبر خطابه درسا بحيث لا ينتهي منه إلاٌ وقد اعتقد أنٌ كلٌ من بمسجد (سيدي رمضان) من رجال ونسوة قد فهموا جيٌد الفهم خطابه).و قد جدٌد طريقة السلف في ا لخطابة، فالتزم أن تكون الخطبة من إنشائه هو لا من إنشاء الآخرين، ودون ورقة أي (ارتجالا)، ثمٌ بدا له بعد ذلك أن يدوٌن خطبه لكيلا يقال نقلها عن الغير وحفظها وسرقها. وقد خصٌص الدكتور سعد الله في كتابه القيٌم (تاريخ الجزائر) مقالا للحديث عن خطب أبي يعلى الزواوي في المجلد الثامن من (122-125(.

مؤلفاته وآثاره العلمية:

ترك أبو يعلى آثارا علميٌة نافعة ضمنها خلاصة ما يؤمن به من أفكار، وما كان يطمح إليه من مشاريع جادة تخدم بالدرجة الأولى دينه ولغته العربية، ورغم أنٌ جلٌ هذه المؤلفات جاءت في شكل كتيبات أو رسائل مختصرة إلاٌ أنٌها حوت في مضامينها ذلك البعد العميق في تفهم قضايا أمٌته عامٌة، والتشبٌث الوثيق بمكوٌنات شخصية الأمٌة الجزائرية خاصٌة، ساعده في ذلك روعة أسلوبه وانتظام أفكاره وكثرة استدلاله بالنصوص الشرعية في كتاباته الدينية، واستعماله – وهذا لفرط ذكائه ونباهته – لألفاظ ومصطلحات يمرٌر من طريقها أفكاره ويبز فيها طموحه ويختصر بها أقواله ويعالج من خلالها الأدواء وألأمراض التي شخٌصها بنفسه، وخير مثال لذلك تسميته لكتابين ألٌفهما وأبدع فيهما أطلق على أحدهما (الإسلام الصحيح) تميٌيزا له عن الإسلام الذي سماه العلاٌمة الإبراهيمي بالإسلام الوراثي، وأطلق على الآخر (جماعة المسلمين) تحريضا منه على لمٌ شعث الأمٌة واستقلالها بنفسها دون تدخٌل أو وصاية من المستعمر وهذه نبذة مختصرة عن بعض مؤلٌفاته:

  • المؤلفات المطبوعة :
  • )كتاب الإسلام الصحيح) وطبعه في طبعة المنار بمصر سنة 1345ه بعد رجوعه إلى الجزائر، وجعله في شكل سؤال وجواب، وقال عنه إنٌ بعضهم قد سأله أن يضع مثل هذا الكتيٌب في الإسلام الصحيح على قواعده الأصلية المتٌفق عليها لا المختلف فيها).

و قد طبع هذا الكتاب عل نفقة أحد أعيان الجزائر وتجٌارها الكبار، وقد رقٌم اسمه على وجه الكتاب ولقٌب بالسلفي وهو السيٌد الحاج محمٌد المانصالي. – وممٌا يلفت الانتباه وهو مرقوم على غلاف الكتاب عبارة نفيسة لأبي حيٌان أظنٌها من وضع أبي يعلى نفسه بل أكاد أجزم، وذلك لكثرة استشهاده بأقواله في ثنايا كتابه وهي (الجهاد بالحجٌة أعظم أمرا من الجهاد بالسيف). و يحتوي الكتيٌب على 123 صفحة، وحمل اسمه الحقيقي السعيد بن محمد الشريف الزواوي الجزائريٌ، وهو الذي سنعتمده أكثر في بيان عقيدته ومنهجه في بعض الفوائد الفرائد ولإفادات القلائد التي امتاز بها أبو يعلى على غيره من أقرانه ومصلحي زمانه.

  • )جماعة المسلمين) وهو عبارة عن رسالة مطوٌلة ففي شأن جماعة المسلمين ومعناها في الفقه المالكي في أصلها من الأحاديث الصحيحة.

و لقيمة هذا الكتاب وحاجة الناس إليه في تلك الحقبة أذن المؤلٌف في ترجمة الكتاب كما رقمه على غلاف الكتاب بنفسه، وقد أعجب به أيٌما إعجاب حتى قال عنه (أنٌه لم أسبق إليه وأنا أبو عذره، وأنا لم أقف على أنٌ أحدا من الإخوان الكرام الكاتبين في العالم العربي الإسلامي كافٌة في وطننا الجزائر خاصٌة طرقه أو كتب فيه). – وقد قرٌض كتابه هذا الشيخ الطيٌب العقبي. وذكر في تقريظه اثني عشر بيتا، نقلها أبو يعلى إلى كتابه جماعة المسلمين (ص47) ذكر في مقدمته أنه مختصر من كتاب آخر مطول، وطبع بمطبعة الإرادة بتونس في رمضان 1368الموافق لجويلية 1948م. وهو في 75 صفحة.

  • )الخطب) جمع فيه بعض خطبه وكان ذلك سنة 1343ه الموافق لسنة1924 م(طبع الجزائر باستيد – جوردان – كار بونيل 1343 ه) يحتوي على 78ص، قال عنه الدكتور سعد الله (8/122): (و هو أول كتاب يطبع في موضوعه على ما نعرف. وقد بدأه بديباجة مسجٌعة وطويلة هكذا الحمد لله أنطق الخطباء بالكلام الفصيح –و سهل لهم الارتجال بالكلام الصريح)
  • )خصائص أهل زواوة ( وهي رسالة وجهها من الشام إلى الطاهر الجزائري الذي كان بمصر يطلب منه أن يؤلف كتابا في « خصائص أهل زواوة »، وقد قام بطبعها أبو القاسم سعد الله ضمن كتابه أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر.
  • )تاريخ الزواوة ( وهو غير سابقه فقد فرغ من تأليفه سنة 1918م وهو في القاهرة ونشره في دمشق سنة 1924م، وقدم له الشيخ الطاهر الجزائري والسعيد اليجري (وقد أعيد طبعه مؤخرا في الجزائر). وقد توصل فيه إلى أن الزواوة من قبيلة كتامة وأن كتامة وصنهاجة كلاهما من العرب العاربة أو العرب القحطانية، وقال أبو القاسم سعد الله في وصفه:« أما الكتاب نفسه فقد قسمه أبو يعلى الزواوي إلى سبعة فصول رغم صغر حجمه فجعل الفصل الأول في فضائل التاريخ والثاني والثالث في نسب الزواوة ومحامدهم..والرابع في زواياهم وعلمائهم وخدمتهم للغة العربية والخامس في بعض عاداتهم والسادس في الإصلاح المطلوب والسابع في لائحة نظام تعليم مقترح وبيان طريقة التعليم.

مخطوطاته:

  1. (فصول في الإصلاح ) ذكره في كتابه الخطب وتاريخ الزواوة.
  2. مقالات منشورة في البصائر والشهاب والبلاغ وغيرها من الجرائد، وقد ذكر محمد الصالح صديق سنة 1994م أنه تم تكليف لجنة بجمع آثار أبي يعلى الزواوي، لكن لم يظهر شيء منها ونحن في آخر سنة 2002م.
  3. المؤلفات المخطوطة :
  4. أصل كتابه جماعة المسلمين المذكور أعلاه.
  5. تعدد الزوجات في الإسلام .
  6. مرآة المرأة المسلمة  ذكره في الإسلام الصحيح، وفي الخطب أنه يقع في 200صفحة.ضمٌنه آراءه في المرأة، مبطلا عادات بني قومه في عدم توريثها ومنع نظر الخاطب إليها، ومناديا بضرورة تربيتها وتعليمها
  7. ذبائح أهل الكتاب (قال عنه إنه تحت الطبع) كما أنه ترجمه إلى الفرنسية أيضا.
  8. الفرق بين المشارقة والمغاربة في اللغة العربية وغيرها من الفروق .
  9.  الخلافة قرشية .
  10. الكلام في علم الكلام
  11. الغنى والفقير .
  12. مراسلات أبي يعلى خصوصا مع شكيب أرسلان .
  13. أسلوب الحكيم في التعليم.
  14. الأمم الغربية (أو العربية).
  15. رسالة في علم الخط ألفها عام 1947م.
  16. النصوص التي ردها كفر صراح بإجماع المسلمين ذكره في مقال له في البصائر.
  17. أصل البربر بزواوة ذكر أنه بين فيه أن أصل البربر من حمْيَر وأنهم عرب قحطانيون ويحتمل أن يكون هو نفسه تاريخ الزواوة كذا قال أبو القاسم سعد الله.

هذا وقد ألٌف أبو يعلى الزواوي كتبا صغيرة الحجم قضايا مهمٌة لها صلتها الوثيقة بالأمٌة والمجتمع في تلك الحقبة، مصحٌحا للمفاهيم ومدافعا عن معالم الشخصية الإسلامية، ومساندا للإصلاح وداعيا إلى تطهير المعتقدات والسلوكات من الشوائب والبدع والخرافات

مميزات فكره الاصلاحي:

 الدعوة إلى الطريقة السلفية وذم علم الكلام:

قال الشيخ أبو يعلى في كتابه الإسلام الصحيح 🙂  اعلم أيها السائل أن خير طريقة في العقيدة التوحيدية طريقة السلف التي هي اتباع ما ثبت عن الله وعن رسوله من غير كثرة التأويل والدخول في الأخذ والرد من الجدل في المتشابه وإيراد الشبه والرد عليها، وأذكر الآن بهذه المناسبة جملة من أقوال الأئمة العظام من السلف الصالح لتعتبر أيها السائل وتعلم أن الخوض غالبا خصوصا في قضايا الانتصار لمذهب دون مذهب وتجد أن مذهب الحق في ذلك هو مذهب القرآن العظيم } قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون { وهو مذهب السلف فإن القرآن الكريم أبى الخوض في ذلك لعجز المخلوق عن معرفة حقيقة الخالق وإنما تصدى لتوجيه الأنظار للاعتبار كما تقدم »[ص4-5]. ثم نقل الآثار المعروفة عن مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف في ذم علم الكلام وأهله وقال :« وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ». وصرح بعد ذلك في أثناء الكتاب بعدم الانتماء لأي مذهب كلامي محدث من المذاهب الموجودة فقال: أما أنا ومن على شاكلتي من إخواني الكثيرين فلا شريعة لنا ولا دين لا ديوان إلا الكتاب والسنة وما عليه محمد وأصحابه وعقيدة السلف الصالح فلا اعتزال ولا ماتريدي ولا أشعري، وذلك أن الأشاعرة تفرقوا واختلفوا أي المتقدمون منهم والمتأخرون ووقعوا في ارتباك من التأويل والحيرة في مسائل يطول شرحها)

  •  نشر التوحيد ومحاربة الشرك في الألوهية

قد كتب أبو يعلى في هذا الباب فأكثر، إذ زيادة عما ذكره في الإسلام الصحيح فقد نشر فيه عدة مقالات، ونحن ننقل ما قاله في أحد مقالاته : « أما عقيدتنا في الأولياء التي اتخذوها ذريعة للطعن فينا بأننا ننكرهم وننكر الكرامة ليهيجوا علينا العامة التي صُدَّت عن الله إلى الأولياء الأموات تطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله وتتمسح بقبورهم وتوابيتهم…أما كون الميت صالحا أو مات وليا أو غير ولي، أو على حسن الخاتمة أو على غير ذلك عياذا بالله فإننا غيرُ مكلفين بذلك ولا نحكم لأحد بالجنة ولا بالنار إلا مَن وَرَدَ فيهم النص، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أما التوسل بهم والطلب منهم فمما لم يثبت عن السلف الصالح شيء منه بل لم يشرع أصلا وقد فتشنا وقلبنا وبحثنا في السير وكتب الحديث الصحيح مثل الموطأ والبخاري ومسلم فلم يثبت في خير القرون أنهم قصدوا قبر النبي r طالبين منه شيئا ودليلنا أيضا على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن عمر لما استسقى بالناس قال لهم: إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، وهذا دعاء أقره الصحابة والسلف».

  • التزام السنن ومجانبة البدع العملية

ولم يهمل الشيخ الدعوة إلى الالتزام بالسنة ونبذ البدع العملية خاصة بدع التصوف الذي غرقت الأمة في أوحاله فصرح ببدعية تصوف المتأخرىن، وقال في البصائر :« وبالجملة إن التصوف محدث في الأمة اسما ومعنى». وكما أنكر عليهم بدع العقائد فقد أنكر عليهم بدع الأعمال كالقراءة على الجنائز. وقال في الإسلام الصحيح :« ولست بمخطئ إن قلت بالمنع والحرمة بسبب ما أحدثوا فيه وهو من أصله محدث إذ لم يكن السلف الصالح يعرفون هذا صوفي وذاك غير صوفي، أو ذا له طريقة وهذا لا طريقة له »، وإن كان الشيخ قد نشأ نشأة صوفية إلا أنه تاب ورجع إلى الحق لما تبين له، كما صرح بذلك في أحد مقالاته: « نعم كنت قبل أربعين سنة خلوتيا [أي حوالي سنة 1907] فلما رأيت البدع والمخالفة والرقص والطبل واختلاط النساء بالرجال طلقتها ثلاثا بتاتا ». وقال :« وإني أعلنت أني سلفي وأعلنت أني تبرأت مما يخالف الكتاب والسنة ورجعت عن كل قولة قلتها لم يقلها السلف الصالح ».

  • الدعوة إلى الاجتهاد ونبذ الجمود والتقليد

قال في الإسلام الصحيح :« والحال أن كل واحد من هؤلاء الأئمة قال إن وافق مذهبي الكتاب والسنة فبه ونعمت وإلا فاضربوا به عرض الحائط، لأنهم غير معصومين ولا ألزموا الناس بما استنبطوا وما دونوا وإنما العامة والخاصة ارتضتهم ». وقال ردا على المتعصبين الذين ينتصر كل واحد منهم لمذهب إمامه ويقول إنه هو الصواب دون غيره :« كلها فاضلة وكلها صحيحة إذ لا يمكن بحال أن يقال هذا المذهب صحيح وهذا غير صحيح، لأنهم أئمة مجتهدون غير معصومين لا محالة، فهم سواء في الاجتهاد وسواء أيضا في عدم العصمة، وكان الإمام مالك يقول كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحبَ هذا القبر يعني النبي .

أخلاقه

  • رقة الطبع وسلامة القلب

قال الشيخ أحمد حماني:« الشيخ أبو يعلى الزواوي إمام مسجد سيدي رمضان بالقصبة من عاصمة الجزائر علامة من كبار العلماء الأحرار، محقق، شجاع، سلفي العقيدة، طيب السريرة حميد السيرة، بليغ القلم سليم النية، غر كريم »، وقال فيه أيضا :« والملاحظة أن أبا يعلى عين رئيسا للجنة الدائمة بعد تأسيس الجمعية وابتعاد عمر إسماعيل عنها، وبقي وفيا لمبدئه شجاعا في مواقفه، عظيم النشاط في أعماله وكتاباته، وقد لقب في العلماء بشيخ الشباب وشاب الشيوخ، وكان يمتاز بشفقة وحنان على أمته، وكثيرا ما تسيل دمعته رحمة على البائسين ».

  • التواضع للحق

وَرَدَ إليه سؤال عن حكم التوسعة على العيال في عاشوراء فأفتى بالجواز فرد عليه الشيخ عمر بن البسكري بجواب ننقل منه هذه الفقرات :« سيدي أحيط جنابكم أن الحديث المذكور يقول فيه حجة الإسلام ابن تيمية ما نصه حرفيا في كتابه منهاج السنة ج 4 ص 114 :« وقد يروي كثير ممن ينتسب إلى السنة أحاديث يظنونها من السنة وهي كذب كالأحاديث المروية في فضل عاشوراء -غير الصوم – وفضل الاكتحال فيه والاغتسال والحديث والخضاب والمصافحة وتوسعة النفقة على العيال فيه ونحو ذلك، وليس في أحاديث عاشوراء حديث صحيح غير الصوم هكذا يقول حرفيا وتبعه تلميذه ابن القيم وابن رجب وغيرهم … هذا ومما زاد في تشجيعي على إسداء هذه الكلمة النصيحة لجنابكم قولكم حرفيا في العدد السابع عشر من البصائر :« وعلى كل حال فإنني لست ممن يقول لا أقبل النصيحة إلى أن قلتم بل إني أقبل النصيحة من أهلها بشرطها ». فكتب الشيخ جوابا رحب فيه بهذا الرد المؤدب والنصيحة الخالصة ختمه بقوله : «وإنه مما يجب التحري في الاستدلال بالحديث إلا إذا كان صحيحا وهو صوابلكنه صعب !! اللهم اغفر لنا ما قدمنا وأخرنا وألهمنا وألهم الأمة للصواب أن تتحفظ وتحذر من الوقوع في الكذب على نبيها والله المستعان وعليه التكلان .

  • الثقافة الواسعة

إن مما تميز به أبو يعلى الزواوي كثرة المطالعة وهي إحدى العوامل التي جعلته يكون أكثر تأليفا من غيره من أهل زمانه إضافة إلى التفرغ باعتباره كان إماما رسميا لمسجد مدة تفوق الثلاثين سنة، وهذه المطالعة قد ظهرت في كتاباته ومواضيع تأليفه فهو قد ألف في مواضيع مختلفة وفي قضايا شغلت الفكر الإسلامي في عصره: قضايا المرأة، قضايا الإصلاح، السبيل إلى تحكيم الشريعة، إصلاح نظم التعليم وغيرها من الموضوعات. وقد ظهر ذلك أيضا في المصادر المتنوعة التي اعتمد عليها في كتابه الإسلام الصحيح فقد فاقت الأربعين مرجعا ومصدرا، والذي يَلفت الانتباه هو مطالعته لكتب المخالفين فهو ينقل فضائح الطرقية من مصادر صوفية وينقل شهادة الكفار بالحق من كتبهم، وكان مطلعا حتى على كتب المستشرقين –وكان يحسن الفرنسية – كما نراه في رد الشيخ على النائب ابن جلول لما قال ردا على المصلحين :« رجوع الإسلام إلى أصله خطر على فرنسا » حيث سرد فيه جملة من كتبهم التي يظهر إطلاعه عليها.

قيل عنه

قال الشيخ الطيب العقبي في تقريظه لكتاب جماعة المسلمين. أبو يعلـى إمـام الحق فينا- وشيـخ شباب المصلحينا دعا بدعاية الإسـلام قبـلا- لديـن اللـه رب العـالمينا فأبدع في اختصار القول ردا- على فئـة الضلال المفسدينا وقد غضبوا لقول الشيخ فيه- وضلـوا في الضلالة تائهينا فلم يعبأ بما فعلـوا ولكـن- تمادى يخـدم الحـق المبينا ». وقال في مقال نشر في الشهاب ردا على من انتقص الشيخ:» ألا ما أشفقتما عليه أو رحمتما شيخوخته وسلفيته الصادقة، وتركتماه لنا عضدا قويا وشيخا سلفيا …وهو من قد عرفتماه فضلا ومعرفة وسبقا إلى مذهب السلفية، كما عرفتما مقدار مقدرته في الكتاب وبحثه وتنقيبه قال الشيخ مبارك الميلي : …الشيخ الجليل العالم السلفي الأستاذ أبي يعلى الزواوي الذي لقبه الأخ الشيخ الطيب العقبي شيخ الشباب وشاب الشيوخ وكل من عرف هذا الشيخ وأنصفه اعترف له بهذا اللقب وسلم له هذا الوصف». قال أحمد توفيق المدني:« وإذا ذكرت الرجال بالأعمال فإني أذكر العلامة الكبير الشيخ سيدي أبا يعلى السعيد الزواوي، أذكره بتأليفه القيم الإسلام الصحيح الذي نسف به الخرافات والأوهام في الأفكار العامة .

وفـاتـــه

توفي في 8 رمضان 1371 الموافق لـ (4 جوان 1952م) عن عمر يناهز التسعين، وشيع جنازته خلق كثير وعدد كبير من رجال العلم والفضل، وصلى عليه الشيخ  الطيب العقبي، وكتبت البصائر عنه: (والبصائر تساهم في المصاب بفقد العلامة الزواوي، شيخ المصلحين في هذه الديار الذي طالما رفع صوته على صفحاتها بالنكير على المبتدعين والمبطلين).

 

الطيب العقبي

تعـريف:

 

الطيب العقبي هو الطيب بن محمد بن إبراهيم، ولد في بمدينة سيدي عقبة بولاية بسكرة في الجزائر عام 1889م ينتهي نسبه إلى قبيلة أولاد عبد الرحمن الأوراسية.

هاجر مع عائلته إلى المدينة المنورة وهو ابن خمس أو ست سنوات، تلقى العلم في  الحرم النبوي الشريف، عمل مع شريف مكة في جريدة القبلة، عاد إلى الجزائر عام 1337ه = 1920م. وكان من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان له نشاط كبير في الدعوة إلى الله حيث كان يتردد على الأماكن العامة كالمقاهي والنوادي الليلية للدعوة إلى الله، وقد هدى الله على يديه خلق كثير، عرف الشيخ بالجرأة على قول الحق ولا يخاف في ذلك لومة لائم، بالإضافة إلى نشاطه في مجال الصحافة كان قلمه سيالا بكثرة مقالاته في جريدة الشهاب والبصائر التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ترجمته لنفسه رحمه الله:

هذه الترجمة كان قد كتبها بنفسه ونشرت في الجزء الأول من كتاب “شعراء الجزائر في العصر الحاضر” لمؤلفه الأديب الجزائري الكبير الأستاذ محمد الهادي السنوسي الزاهري. يقول الطيب العقبي:

ولدت ببلدة  سيدي عقبة  ليلة النصف من شهر شوال سنة1306هـ، حسب ما استفدته من مجموع القرائن الدالة على تعيين هذا العام، ويحتمل أن تكون ولادتي بعد ذلك التاريخ بنحو العام لأني لم أجد قيدا صحيحا لسنة ولادتي. والدي هو “محمد بن إبراهيم بن الحاج صالح” وإلى هذا ينسب اليوم كل فرد منا وبه تعرف عائلتنا، فيقال لكل منا “ابن الحاج صالح”، وعائلتنا من أوسط سكان البلدة، فلا هي أعلاها ولا هي أدناها. أصل أول من سكن بلدة  سيدي عقبة من جدودنا من أولاد عبد الرحمن بجبل “أحمر خدو” بالجهة التي تسمى منه باسم “كباش”.

يتصل نسبنا على التحقيق بالرجل الشهير عند أهل تلك الجهة المعروف لديهم بالولاية والصلاح حتى أنهم يحجون قبره وقبته المقامة عليه، ويقال عنه أنه شريف النسب أيضا، والذي يلفظون اسمه هكذا (سيدي مَحمد بن عِبد الله) بفتح ميم محمد وكسر عين عبد الله، فنحن إذا عبدريون ـ بالراء ـ وعبدليون ـ باللام ـ نسبة إلى عبد الرحمن وعبد الله. جدنا الأول المنتقل من تلك الجهة إلى سيدي عقبة يوم تأسيس البلدة أو بعده عقبي بسكناه بها، ثم نحن من بعده إلى هذا اليوم عقبيون. أما والدتي فمن بلدة ليانة بالزاب الشرقي من عائلة “آل خليفة” الشهيرة بلقب “ابن خليفة”.

ودعنا من تعداد الآباء والأجداد والمفاخرة بالألقاب والأنساب، لأن ذلك ليس بمذهب لي، فإني في جملة البشر أحسب، وإلى جدنا الأكبر وأبينا آدم أنسب، وإني في هذا المذهب أوافق صديقي معروف الرصافي حيث يقول:

قالوا ابن من أنت يا هذا؟ فقلت لهم ** إني امرؤ جده الأعلى أبو البشر

قالوا فهل نال مجدا؟ قلت: واعجبي ** أتسألوني بمجد ليس في ثمري

ولله درالحريري السابق في هذا الميدان بقوله”:

وما الفخر بالعظيم الرميم وإنما ** فخار الذي يبغي الفخار بنفسه

وخير من هذا كله قول الله عز وجل : يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وأرى من تمام الترجمة أن أقول لكم:  إن مذهبي في الوطن هو مذهب القائل:

من كان مثلي فالدنيا له وطن ** وكل قوم غدا فيهم عشائره

انتقالنا للحجاز

انتقلت عائلتنا مهاجرة من بلدة سيدي عقبة  إلى الحجاز بقضها وقضيضها أنثاها وذكرها، صغيرها وكبيرها، سنة1313هـ  قاصدةمكة المكرمة لحج الكعبة المشرفة في تلك السنة، فكنت في أفرادها الصغار لم ابلغ من التمييز الصحيح، ولولا رجوعي إلى هذه البلاد مؤخرا ما كنت لأعرف شيئا فيها.

استقرار عائلتنا بالمدينة

سكنت عتائلتنا أول سنة 1314 ـ بعد الحج ـ المدينة المنورة حيث كان استقرارها بها وبها قبر أبوي وعمي وعم والدي وأختي، وجل من هاجر من أفراد عائلتنا كلهم دفنوا هنالك ببقيع الغرقد رحمة الله عليهم.

أما والدي فكانت وفاته ليلة الخامس من شهر شعبان 1320هـ  وانا عند رأسه أجس نبض آخر عرق كان يتحرك فوق صدغه، وكان قبل موته بنحو السنة والنصف مات شقيقه الوحيد ـ عمي ـ أثناء وجود والدي بهذه الديار التي رجع إليها إذ ذاك متفقدا حال أملاكهم التي تركوها هنا، وقد أتاح الله للأخوين الشقيقين ـ أبي وعمي ـ أن يدفنا في قبر واحد ويضمهما معا ذلك الجدث كما خرجا من بطن أم واحدة، وكان مأواهما في الثرى عند قبر الإمام مالك ـ ـ وبإزاء قبر سيدنا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كفالتي وتربيتي

بعد وفاة والدي بقيت مع شقيقي وشقيقتي واختي للأب تحت كفالة والدتي وقد “أدبني ربي فأحسن تاديبي”، وتربيت في حجر أمي يتيما غريبا لا يحوطني ولا يكفلني غير امرأة ليست بعالمة ولا صاحبة إدراك ورأي سديد، بل هي كنساء أهل هذه البلاد ولولا فضل الله علي وعنايته بي صغيرا يتيما لما كنت هديت سواء السبيل “فالحمد لله الذسي هدانا لهذا وما كنا لنهتي لولا أن هدانا الله”

تعلمي وقراءتي القرآن

قرأت القرآن على أساتذة مصريين برواية حفص ثم شرعت على عهد والدتي بقراءة العلم بالحرم النبوي لا يشغلني عنه شاغل ولا يصدني عنه شيء، حيث كان أخي الأصغر مني سنا هو الذي تكلفه والدتي بقضاء ما يلزم من الضروريات المنزلية وقد ادركت سر الانقطاع لطلب العم وفهمت جيدا قول الإمام الشافعي”لو كلفت بصلة، ما تعلمت مسألة”.

بعد أن أصبحت أنا القائم بشؤوني والمتولي أمر عائلتي ونفسي، أخذت إذ ذاك من العلم بقسط شعرت معه بواجباتي الدينية والدنيوية، وما كدت أدرك معنى الحياة وأتناول الكتابة في الصحف السيارة وأنظم الشعر واتمكن من فهم فن الأدب ـ الذي هو سمير طبعي، وضمير جمعي ـ حتى فاجأتنا حوادث الدهر، ونوائب الحدثان، وجلها كان على إثر الحرب العالمية التي شتتت الشمل وفرقت الجمع، فسحقا لها سحقا، وبعدا لما أبقته من آثارها السيئة بعدا.

1″ يقول الشيخ العقبي في الهامش:

وقريب من هذا المعنى في بيتين نظمتهما في سنة1920م  أذكرهما هنا وإن كان مذهبي اليوم غير مذهبي بالأمس، ألزم وطني مهما استطعت ذلك ووجدت إلى ذلك سبيلا، وهذان هما البيتان:

*إذا ما صح أن الترب اصلي ** وأن الناس من هذا الراب

*فكل مطارح طرحتني أرضي ** وكل القاطنين من الصحاب

“كيف أبعدت عن المدينة”؟:

تناولت الكتابة في الصحف الشرقية قبل الحرب العمومية أمدا غير طويل فعدني بعض رجال تركيا الفتاة  من جملة السياسيين، وأخرجوني في جملة أنصار النهضة العربية مبعدا من المدينة المنورة على إثر قيام ” الشريف الحسين بن علي” في وجوههم بعد الحرب إلى المنفى في أرضهم ” الروم ايلي” أولا فالأناضول ثانيا، وهناك بقيت أكثر من سنتين مبعدا في جملة الرفاق عن أرض الحجاز وكل بلاد العرب، ثم انتهت الحرب الكبرى بعد الهدنة يوم 11 نوفمبر1918م، ونحن إذ ذاك مع عائلتنا التي التحقت بنا بعد خراب المدينة في بلدة “ازمير” ومنها كان رجوعنا معشر أهالي المدينة المنورة إلى الحجاز، وما وصلت أنا إلى مكة المكرمة حتى لقينا من لدن جلالة ” الملك حسين” كل ما هو أهله من الإكرام والإجلال، وهناك عينت مديرا لجريدة ” القبلة” و” المطبعة الأميرية” يجري علي من سيل انعامه وإكرامه ما لا أستطيع مجازاته عنه بطويل الشكر وعريضه.

رجوعي إلى بلاد الجزائر

ولما وقع من الاعتداء على أملاكنا التي لا تزال على ذمتنا ببلدة سيدي عقبة ولما كنت أتوقعه من عدم استتباب الأمن واستقرار الأمر في الحجاز للشريف حسين، غادرت تلك البلاد المقدسة إلى هذه البلاد الجزائرية بنية قضاء مآربي هنا وعمل ما يجب عمله في قضية أملاكنا مع المعتدي عليها، ثم الرجوع إلى الحجاز إذا رجعت المياه إلى مجاريها. وها أنا ذا الآن أسكن منذ ست سنوات بلدة بسكرة من يوم قدومي إلى هذه البلاد وهو يوم 4 مارس 19 ـ إلى هذا اليوم، من حيث قدومي إلى هذه الديار لم أشتغل بعمل عمومي ذي بال كما أني لم أتعاط الكتابة والنشر في الصحف لأني أعتبر نفسي منذ رجوعي من الحجاز وبعدما وقع من الحوادث المقلقة السالبة لكل أسباب الراحة – بل المفقدة للحياة – وبعدما مر على رأسي من الليالي المزعجات ـ قد خرجت من الحياة السياسية بالكلية وبعدت عن العلم وأسبابه بعد ما بين المشرق والمغرب.

ولكني منذ أشهر أبديت بواسطة صحافتنا الجديدة بعض آراء وأفكار في مسائل تخص العلم والدين فلم يرق ذلك لبعض الجامدين، وثارت ثائرة من لا يزالون يحبون الاصطياد في الماء العكر، وقام دعاتهم في وجهي يصدون الناس عن سبيل الله يبغونها عوجا، وإني لمواجه لكل صدماتهم، ومجابهتهم وجها لوجه كيفما كانوا ما دمت أعتقد أني على الحق بالرغم عن تجردي من كل عدة يعدها الخصمان.

وما أنا في محاربتهم ـ والحالة هذه ـ “إلا كساع إلى الهيجا بغير سلاح” وما أجادلهم إلا بالتي هي أحسن ما دموا عن الحق غير معرضين. أما المنافقون منهم والمارقون الذين يرتدون عن دينهم في كل يوم مرة أو مرتين فأولئك هم الذين أغلظ عليهم أحيانا وأعاملهم بما يستحقون. وما سلاحي الذي أبارزهم به إلا صبابة مما كان علق بالذهن وبقية في الوطاب من آثار التربية الإسلامية والعلم الصحيح، وهم في كل محاولاتهم “يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون” و”سيحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين”.

نماذج من شعر “الطيب العقبي” في الفترة الحجازية:

أخبر الأميرشكيب أرسلان الشيخ الطيب العقبي بولد له سماه “غالبا” رجاء أن يكون له الغلب في تلك الحرب، وقال له: “فأنا ـ والحمد لله ـ أبو غالب من الآن”، فضمن الشيخ الطيب العقبي هذا المعنى في قوله:

  • “أبا غالب” لا زلت في الناس غالبا ** ونجم العدى للشؤم والنحس غاربا
  • ولا زلت ترقى في المعالي بهمة ** بها تمتطي من صهوة المجد غاربا

وأرسل شكيب أرسلان إلى الشيخ الطيب العقبي صورة قائلا: “هذا رسم صغير أرسله لك تذكار حب وود”. فكتب له الشيخ الطيب هذين البيتين على ذلك الصورة قائلا:

  • رسم صغير الحجم لكنه ** شكل “أبي غالب” الأكبر
  • ذكرني لما بدا قوله ** “ليس على الله بمستنكر”

يشير إلى قول الشاعر القديم:

  • ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

أما في رسمه هو ـ الطيب العقبي ـ فيقول فيه:

  • رسمي يغيض عدوي حين يبصره ** فزاده الله غيضا حيثما كانا
  • أما الصديق فلا ينفك مبتهجا ** به، فيذكرني سرا وإعلانا

ويقول الشيخ الطيب العقبي في خصومه الذين لا يأبه بهم ولا يقيم لهم وزنا في الحقيقة والواقع:

  • وإذا الزمان أراد حرا بالأذى ** تخذ اللئام لمبتغاه سلاحا
  • كم رامني بنكاية فرددته ** وبهم لقد جرح الفؤاد جراحا

ويقول في الزواج بالأميات غير المهذبات وغير المؤدبات:

  • ما حياة المرء مع زو ** ج له، ليست أديبة
  • غير سجن أبدي ** عظمت فيه المصيبه

وتدخل شاعرنا ـ العقبي ـ في قضية شائكة بين شاعرين كبيرين قديم وحديث، القديم هو الشاعر الفيلسوف أبوالعلاء المعري والحديث هو أمير الشعرا أحمد شوقي. فالمعري ينعي على أبيه ويلومه انه كان سببا في ميلاده، ومجيئه إلى هذا العالم الظالم المظلم الذي لا خير فيه إلا الشقاء والأسى والحزن والمحن والأزراء، ولذلك تعهد هو ـ المعري ـ ألا يتزوج ويعيش أعزبا في الدنيا، لكي لا يكون سببا في مجيء أبناء لهذا العالم المليء بالآفات والموبقات، وبقي كذلك أعزبا حتى مات، وأمر أن يكتب على قبره بعد مماته هذا البيت :

  • هذا جناه أبي علي ** وما جنيت على أحد

وأحمدشوقي لا يرى هذا الرأي بل يعاكسه ويطلب من العقلاء والحكماء أن ينصفوه فيقول شوقي:.

  • بيني وبين أبي العلاء قضية ** في العلم أسترعي لها الحكماءَ
  • هو قد رأى نعمى أبيه جناية ** وأرى الجناية من أبي نعماءَ

فتدخل شاعرنا العقبي حكما في هذه القضية بين الشاعرين فقال:

  • قد قال شوقي في الحديث مقالة ** في شعره نادى لها الحكماءَ
  • ردا على شيخ تقادم عهده ** ورآه من جهة البرور أساءَ
  • فأجبته: لو كنته لعذرته ** أو كان مثلك قوله ما جاءَ
  • فاشكر أباك فقد حييت منعما ** وأبو العلاء قضى الحياة شقاءَ
  • فلئن رأى نعمى أبيه جناية ** فلقد أصاب لما به قد باءَ
  • ولئن ترى أنت الجناية نعمة ** فالحق قولك ما نطقت هراءَ
  • كل أصاب إذا نظرت لحاله ** والله أنفذ فيكما ما شاءَ

وفي الغزل العفيف يذكر زيارة الطيف في المنام مضمنا بيت شعرلأبي الطيب المتنبي وهو قوله:

  • قذفت ماء حياة من مقبلها ** لو صاب تربا لأحي دارس الرمم

فقال العقبي :

  • محبوبة سكنت قلبي وما برحت ** وذكرها بدل التسبيح ملأ فمي
  • زارت فراشي على بعد وقد غمضت ** عيني لأقنصها في هجعة الحلم
  • ومذ وضعت فمي على فمها ** ذكرت قول أبي… في سالف القدم
  • “قذفت ماء حياة من مقبلها ** لو صاب تربا لأحي دارس الرمم”
  • وثابتِ الروح في جسمي فخلت لها ** إني بعثت بعيد الموت من عدم
  • وكيف لا وهي لو مست بريقتها ** حوت الكليم لغاض الماء في الظلم
  • ولو رأى المتنبي شمس طلعتها ** لقام من قبره يمشي على قدم

ويقول في مناسبة أخى يشير إلى سحر العيون وأثر الجفون:

  • رب حوراء غضيض طرفها ** من بنات الترك تزهو بالحور
  • إن أقل: باللحظ قلبي سحرت ** قلت: سحر اللحظ أدهى وأمر

ويقول في بعض الآفات الاجتماعية كالخمر والفجور:

  • شر الورى من عاش طول حياته ** في الخمر منهمكا وفي لذاته
  • لا يرعوي عن غيه وضلاله ** وإذا انتشى فإلى الشقاء بذاته
  • أشقى ذويه ووالديه وزوجه ** وبنوه قد تعبوا وكل بناته
  • قد ضيع الدنيا وأذهب عقله ** والدين أصبح من كبار عداته
  • إن عاش فهو إلى الضلالة سائر ** أو مات كيف يكون بعد مماته؟
  • يسطو على جيرانه في سكره ** وإذا صحا لم يأمنوا عثراته
  • وكفاه من خزي مقالة قائل: ** ” لا تصحب السكران في حالاته “

ويرد على بعض المناوئين له فيقول:

  • ألا إنني من خير من أنجب القطر ** أريد، ولكن لا يساعدني الدهر
  • حنيف أرجي الخير للناس كلهم ** وأهدم بالإسلام ما أسس الكفر
  • وقد حسب الجهال إني كمثلهم ** وما أنا ممن دأبه الكبر والفخر
  • وقالوا افتراءا إنني غير مسلم ** وما صدقوا في القول كلا ولا بروا

من مقال للشيخ محمد الصالح رمضان بعنوان “الطيب العقبي الأديب الشاعر” نشر بجريدة البصائرالعدد 201.